ابن أبي شريف المقدسي
134
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
لا يتصور تعلق الإرادة بتخصيصه بوقته إذ كانت ) الإرادة ( إنما تخصص ) أي : شأنها ليس إلا أنها تخصص ( ما سيوجد بوقته ) الذي يوجد فيه دون ما قبله وما بعده من الأوقات ، ( فعدم تعلقها ) بوجود ممكن ( تابع للعلم بعدم وجوده لا مؤثر في عدم وجوده ) إذ العلم « 1 » ليس مفتقرا إلى مؤثر « 2 » . ( فظهر ) بهذا التقرير ( معنى ) قول السلف : ( ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ) أي : ما تعلقت المشيئة وهي الإرادة الإلهية بوجوده يوجد لتعلق العلم بوجوده ، وما لم تتعلق المشيئة بوجوده لا يوجد لتعلق العلم بعدم وجوده . ( وظهر ) أيضا ( أن لا طلب في مفهوم الإرادة ) بناء على الفرق بينها وبين المشيئة ( كما ) مر ( عن أبي حنيفة ) لما عرفت من أن الإرادة ليس مفهومها إلا أنها صفة تخصص ما سيوجد دون غيره بوقته دون ما قبله وما بعده من الأوقات ، وليس في هذا المفهوم طلب . ( و ) ظهر أيضا ( أن لا محبة ) في مفهوم صفة الإرادة ( كما قال الأشعري وجماعة ) إذ المحبة عندهم أخص من الإرادة على ما قدمناه من أنها إرادة لا يتبعها تبعة ومؤاخذة ( بل لا يستلزمها ) أي : لا يستلزم مفهوم الإرادة المحبة ، إذ الأعم لا يستلزم الأخص « 3 » ، ( نعم ؛ الغالب تعلقها ) أي : الإرادة ( بالمحبوب المطلوب وجوده فتقارن الإرادة المحبة في متعلقها ) بأن يقع ذلك ( اتفاقا ) أي : على سبيل الاتفاق ( لا لزوما ) بحيث لا تنفك الإرادة عن المحبة ، لما مر من أن الأعمّ لا يستلزم الأخص ، ( فعن هذا ) أي : عن مقارنة الإرادة المحبة في متعلقها ( وقع ذلك
--> ( 1 ) في ( م ) : العدم . ( 2 ) عدم افتقار العلم إلى مؤثر معقول ؛ لأن العلم عبارة عن حقيقة مجردة عن الغواشي الجسمانية ، فهو معرفة الشيء على ما هو به ، وهذا في علم المخلوق . وأما علم الخالق فهو الإحاطة والخبر على ما هو به ، وهو منزه عن الزمان ، ونسبته إلى جميع الأزمنة سواء ، فمهما حدثت المخلوقات لا يحدث له تعالى علم آخر بها ، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي ، فالعلم بأن سيكون الشيء هو نفس العلم بكونه في وقت الوجود من غير تجدد ولا كثرة ، وإنما المتجدد هو نفس التعلق والمعلق به . ( 3 ) علاقة الأعم بالأخص على مستوى الإثبات : إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص ولكن إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم ؛ وهذا مراد الشارح ، أما على مستوى النفي ؛ فنفي الأعم يستلزم نفي الأخص ، ولكن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم . ويقصد بالأعم كلي تلاحظ فيه نسبته إلى نوعه أو بعض جزئياته ، مثل الحيوان بالنسبة إلى الإنسان . أما الأخص فهو كلي تلاحظ فيه نسبته إلى جنسه أو نوعه ، مثل الإنسان بالنسبة للحيوان .